الشيخ السبحاني

468

في ظلال التوحيد

حبيب النجار عرفان قومه بمصيره كما قال سبحانه : { قال يا ليت قومي يعلمون * بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين } ( 1 ) . إن الحياة البرزخية لا تختص بالمؤمنين ، بل هناك من المذنبين الكافرين من تعمهم كآل فرعون إذ يعرضون على النار غدوا وعشيا ، قال سبحانه : { وحاق بآل فرعون سوء العذاب * النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب } ( 2 ) . وهذا المقدار من المعرفة يكفينا في القضاء بأن لهم شعورا واستشعارا ودركا وتعقلا وظواهر نفسية من الفرح والألم وغير ذلك ، ولا تتطلب مسألة التوسل سوى كون المتوسل به عاقلا حيا مدركا شاعرا ملتفتا إلى الدنيا وما يجري فيها . وعلى هامش الأمر الثاني نقول : إن البرزخ بمعنى الحاجز لا بمعنى انقطاع الصلة بين أهل الدنيا وأهل الآخرة ومن فسره بالمعنى الثاني فإنما أراد دعم مذهبه ، وإنما هو مانع من رجوع الناس إلى حياتهم الدنيا . ويدل على ذلك : أنه سبحانه ذكر أمر البرزخ بعدما ذكر تمني العصاة الرجوع إلى الدنيا ، قال سبحانه : { حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون * لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها } ( 3 ) . فقوله : { كلا } ردع لتمني رجوعهم ، يعني لا يستجاب دعاؤهم ، ثم عاد سبحانه يؤكده بقوله : { ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون } أي حائل مانع من الرجوع إلى الدنيا إلى يوم يبعثون . إن اتخاذ موقف مسبق في المسألة يشكل مانعا من الوصول إلى الحقيقة ، ويعد

--> ( 1 ) يس : 26 - 27 . ( 2 ) غافر : 45 - 46 . ( 3 ) المؤمنون : 99 - 100 .